ابن سبعين
14
رسائل ابن سبعين
الحقيقة قول موسى للخضر عليهما السلام : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً [ الكهف : 66 ] ، ولم يكتف بما عنده من علم الشريعة . ثم تأمّل في إنكار السيد موسى على الخضر عليهما السلام علمه الذي آتاه اللّه له من لدنه ، ففي ذلك كفاية لكل معتبر . وكلام الشيخ محيي الدين العربي وأتباعه وسيدي عمر ابن الفارض وابن سبعين وغيره غالبه من علوم الخضر عليه السّلام . وقد ذكرت : من علوم الخضر عليه السّلام في كتابنا المسمى ب ( الجوهر المصون ) نحو ثلاثة آلاف علم لا يمكن لغير وليّ أن يخوض فيها ، ولا في علم منها ، ولا يعرف اسمه ، فضلا عن الخوض فيه ، فتطلبه ؛ فإنه كتاب ما أظن أن أحدا صنّف في الإسلام مثله ، فلله الحمد على ذلك . ثم اعلم يا أخي : أن القول بالتكفير يحتاج إلى أمرين عزيزين : أحدها : تحديد المعتقد ، وهو صعب من جهة الاطّلاع على ما في القلب ، وتخليصه مما يشوبه . الثاني : أن الحكم بأن ذلك كفر صعب من جهة صعوبة علم الكلام ، ومواضع استنباطه ، وتمييز الحق فيه من غيره كما تقدم ، وإنما يحصل ذلك لرجل جمع صحة الذهن ، ورياضة النفس ، حتى خرج عن الميل إلى الهوى ، والتعصب ، بالكلية بعد الامتلاء من علوم الشريعة وأسرارها ، وقلّ أن يوجد مثل هذا ، وإذا كان الإنسان يعجز عن تحرير اعتقاده في نفسه فكيف يقدر على تحرير اعتقاد غيره في هذا الزمان الذي صار الناس فيه من كثرة النكد الواقع لهم فيه يشكون في وقت مستهلّ شهورهم وأعيادهم في مدينة مصر مع كثرة ما فيها من العلماء والصلحاء وأكابر الناس ؟ ! نسأل اللّه اللطف . فالقول بتكفير شخص معين بما فهمه العلماء من كلامه في غاية الصعوبة ؛ لتعلقه بالمعتقد الباطن ، مع أنه يشترط في القول بالتكفير اعتراف قائله بما أضمره في قلبه ، وهيهات أن يحصل . وأما البينة فلا تكفي في ذلك ؛ لأنها لا تتعلق إلا بالأمور الظاهرة ، لا بما طريقه الفهم . وإذا رأينا كتابا أوّله : ( بسم اللّه الرحمن الرحيم ، والحمد للّه رب العالمين ) والشهادتان ، وختمه صاحبه بالصلاة والتسليم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما بين ذلك كلام مغلق لا يفهم منه شيء أحسنا الظن به وتركناه ، مع أن جميع ما في كتب القوم لا يتعلق شيء منه